استعمال القصة في التدريس

0

عند الحديث عن التدريس بالقصة يضيق دائما تفكيرنا وتخيلنا فنتجه مباشرة إلى إعطاء صورة ذهنية نمطية عن كونها :حيازة الأستاذ لمجموعة من القصص يقوم بسردها على التلاميذ عند نهاية الحصة أوبين الحصص أو كلما سمح الوقت بذلك. وهذا تضييق وتنقيص من دور القصة. فالقصة إضافة إلى أن لها دور أدبي (اكتساب المعجم والأساليب) فهي تعد وسيلة عظيمة لتنمية الذاكرة ودعم القدرات الذهنية.لذلك سيكون حديثنا هنا ليس على القصة كمادة أو كمون بيداغوجي بل سنتحدث عن القصة كنشاط ديداكتيكي مستعرض وعابر للمواد.


  • أهمية القصة:

هناك حكمة تُقال عند البيداغوجيين ولا أعلم قائلها:"احك لي قصة ولا تعطني درسا في التاريخ"
يقول دونالد نورمان عالم معرفي أمريكي:"القصص أحداث معرفية مهمة هذا لأنها تغلف المعلومات والمعرفة والسياق والعواطف في إطار واحد محكم".
ويقول روجر سي شانك مختص في الذكاء الاصطناعي:"البشر ليسوا مهيئين لفهم المنطق وإنما لفهم القصص".
ويقول دانيل إتش بينك كاتب وصحفي أمريكي:"إن جوهر الإنسان في قصصه وحكاياته،إننا نكدس سنوات من الخبرة والفكر والشعور في قصص قليلة محكمة ومتماسكة ننقلها للآخرين ، ونرويها لأنفسنا.
إن جيلنا يمكن أن يتذكر قصة "سروال علي" بأدق تفاصيله ولا يستطيع تذكر درس التراكيب الذي تلا تلك القصة، نستطيع أن نتذكر قصة النعجة التي أكلت الضيعة ولا نستطيع تذكر الحرف الذي درسناه في تلك الوحدة...كل الآباء والأمهات يعاتبون أطفالهم اليوم بكونهم يتذكرون المسلسل الفلاني والكارتون الفلاني ولا يستطيعون تذكر درس الرياضيات أو جدول الضرب...ومعذرة أولياء أمورنا المحترمين فذاكرة أطفالكم تعمل على الشكل الصحيح!

إننا نتذكر القصص بشكل أفضل لأننا بكل بساطة نستعمل فصي الدماغ الأيمن والأيسر عند استماعنا أو مشاهدتنا لها ، بعكس الحقائق العلمية المطلقة التي نستعمل فيها فقط الجانب الأيسر،ذلك أن القصة تشتمل على حقائق وووقائع منطقية يتكلف بها  جانب المخ الأيسر ،كما تشتمل على سياقات وترابطات ومشاعر وعواطف يتكلف بها جانب المخ الأيمن.

توجد القصة في معظم مناحي الحياة ؛ فعند الحديث عن القصة في الحياة اليومية فلقد أشرت سالفا إلى مقولة الكاتب الأمريكي من كوننا جميعا نختزل ذكرياتنا في قوالب قصصية . تأمل معي الجرائد اليومية والمجلات التي تقرأها لو سألتك في آخر النهار عما علق بذاكرتك منها فستجد أن معظم ما بقي في ذهنك هي قصص قد تكون درامية أو قصص نجاح أو غرام أو أو...وتأمل أيضا حال المتسولين ، إن أذكى المتسولين الذين يستطيعون انتزاع دراهمنا بسهولة هم أو لائك الذين يبهروننا بقصصهم المأساوية والمؤلمة...معظم الحديث الذي نتناوله في جلسات المقهى وأمسياتنا مع أصدقائنا وعائلاتنا لا يستطيع أن يتم إلا في قالب قصصي.

أما في مجال الأعمال فقد بدأت الشركات اليوم على مستوى العالم المتقدم طبعا تهتم بالقصص والسرد القصصي ليس لاستبادله بالحقائق والتحليلات وإنما من أجل تتميم المعطيات وتيسير الوصول إليها وقد أٌنشء اليوم ما يسمى ب"القص المؤسسي" الذي يهدف إلى جعل المؤسسات على دراية بالقصص التي تروج داخل أبنيتها.
كما بدأت وكالة الفضاء ناسا في استخدام سرد القصص لإدارة المعرفة،أما شركة زيروكس المشهورة فعندما أدركت أن عاملي الصيانة قد تعلموا إصلاح الآلات من خلال تبادل القصص وليس من خلال كتيب الإرشادات قامت بتجميع قصصها على شكل قاعدة بيانات سمتها "!eureka"(بمعنى وجدتها!)
وفي مجال الطب يقول هاوارد برودي طبيب أسري أمريكي:"القصص هي الطريقة التي يفهم بها الناس ما يحدث لهم عندما يمرضون.إنهم يروون قصصا عن أنفسهم.وقدرتنا كأطباء على المعالجة مرهونة بقدرتنا على تلقي قصة المريض بدقة.وإذا لم يستطع الطبيب فعل ذلك فهو يمارس عمله وإحدى يديه مقيدة خلف ظهره!".
تشير الدراسات على مستوى العالم أن الأطباء الأكثر نجاحا هم الأكثر قدرة على الإنصات إلى قصص مرضاهم،وفي الولايات المتحدة الامريكية اليوم أصبح الإهتمام موجها إلى دمج القصص في برامج كلليات الطب وأصبح الطب القصصي يلقي بظلاله على على جامعات الطب .

  • القصة ومجال التدريس

ذكرت آنفا أن القصة تعتمد على استعمال فصي الدماغ الأيمن والأيسر مما يؤهلها لتكون سيدة الوسائل المعرفية بدون منازع،ولن أذكر هنا تلك العبارات الكلاسيكية التي تربط القصة بمادة التاريخ أو مواد اللغة والأدب حصريا  فالقصة يمكن أن تلعب دور الأداة الديداكتيكية التي يمكن استعمالها في جميع المواد.
ولا أعني بالقصة هنا الرواية أو القصة القصيرة أو غيرها من أنواع السرد المتعارف عليها عند الأدباء. بل كل حكاية تحترم أركان الحكي فعبارات يحكيها التلميذ لزميله هي حكاية ومجموعة جمل سردية يقولها المدرس لتلاميذه هي قصة مهما بلغ قصرها.فلو قلت :"دخل التلميذ إلى الحجرة " هذه حقيقة أما إذا قلت:"دخل التلميذ إلى الحجرة فرحا مسرورا " فهذه قصة.

يذكر طوني بوزان عالم نفسي مختص بالذاكرة في كتابه استخدم ذاكرتك كيف يمكن تذكر لائحة من 12 عنصرا عن طريق إنشاء قصة خيالية تجمع كل أدوات الحكي السردي حيث تمكنك هذه الوسييلة من تذكر تلك العناصر من دون اللجوء إلى الحفظ والتكرار أو البحث عن ورقة وقلم لتدوينها.
والسر في أن القصة هي أحسن وسيلة للتذكر هي أنها تمكن من إنشاء الروابط وابتكار السياق وتغليف كل ذلك بالمشاعر والأشياء العاطفية.

لذلك يمكن للمدرس الاستعانة بالقصة كلما أدرك أن هناك عقبة في نقل التعلمات وذلك في جميع المواد كما أشرت لذلك آنفا فيمكن استعمال القصة خلال كل مراحل الحصة الدراسية من تمهيد وبناء للتعلمات فتقويم ودعم . كما يمكن استعمالها في أثناء تحرير التقويمات سواء كانت تشخيصية أوتكوينية أو نهائية وهنا لا شك أني ذكرتك بتقنية دراسة الحالة التي ظهرت بالجامعات الامريكية سنوات الستينات ..انتبه إلى أن جوهر دراسة الحالة هي القصة ولو سبق لك أن قمت بهذه التقنية في أثناء دراساتك الأكاديمية فلا شك أنك تتذكر دراسات الحالة التي احترمت عناصر القصة من ترابط وتسلسل وإضفاء للمشاعر بشكل أفضل من تلك التي كان يقدمها بعض الاساتذة خالية من التعاطف أو على شكل عوارض.
هنا أتذكر مثالا لأحد المدرسين (هو الوالد رحمه الله ) عندما كان يدرس المستوى الاول ابتدائي سنوات الستينات والسبعينات كان من بين القصص التي يذكرها عند التقويم التشخيصي أو التكويني في حصص النشاط العلمي القصتين التاليتين:

    • "كنت ذاهبا إلى السوق الاسبوعي فعثرت بالغابة على سمكة تجلس في عش وهي ترضع صغارها"
    • "كنت عائدا من السوق فوقفت بالنهر كي أتوضأ فلمحت في قعر النهر أرنبا وحولها صغارها "

لكم أن تدركوا أولا هدف القصتين في حصص النشاط العلمي ولك أن تتخيل مدى وقع مثل هاتين القصتين على إدراك الأطفال ذوي الست والسبع سنوات!

غبر أنه عند اسعمال القصة ينبغي الانتباه إلى نوع القصة الذي سيتماشا مع المادة ففي المواد العلمية والتي تعتمد على بناء التعلمات وتعتمد المنطق والتحليل ينبغي الحرص على قصص تكون واقعية بشكل أكثر مع الحرص على تزويدها ما أمكن بالعواطف والمشاعر التي ستشد كل التلاميذ الذين يحسون بنوع من الجفاء في هذه المواد أما المواد الأدبية والتي تهدف إلى نمية الخيال أو اكتساب اللغة فلا بأس بالقصص الخيالية والأساطير التي يمكن أن تزود التلاميذ بقدرات تخيلية عالية.

أهم المراجع
كتاب : عقل جديد كامل تأليف دنييل إتش بينك: http://adf.ly/1E3r7Y
كتاب استخدم ذاكرتك لطوني بوزان: http://adf.ly/1E3tVV



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

جميع الحقوق محفوظة للمدونة. Fourni par Blogger.

Ads

جميع الحقوق محفوظه © خطوات النجاح

تصميم الورشه